الجمعة، ديسمبر 07، 2007

عرض لرسالة استحباب القيام عند ذكر ولادته عليه الصلاة والسلام للعلامة الشيخ محمود العطار الدمشقى (ت 1362 هـ)

تمهيد :
العمل على استحباب ذلك هو الذى رأيت عليه مشايخنا بمصر عندما يقرأون المولد الشريف فى ليلة المولد أو فى غيرها من الليالى يقومون عند ذكره مولده الشريف ، وإن صارت هذه المسألة اليوم مما لا يكاد يعرف بالقاهرة لغلبة الحياة الحديثة على الناس ، وصار قراءة المولد أصلا عادة كادت تنقطع ، ولا يعرفها أكثر الناس ، رغم أن ذلك كان شائعا منذ أقل من مائة سنة فى أكثر مساجد البلاد ليلة المولد ، يجتمع الناس بعد العشاء ويقرأون أحد الموالد ، وأشهرها مولد البرزنجى ، وغيرها من الموالد ، ولم تبق هذه العادة إلا فى احتفالات بعض الطرق الصوفية الأصلية بالمولد الشريف . وقد كان مولانا شيخ الإسلام السيد عبد الله بن الصديق الغمارى ربما حضر ليلة المولد – إذا كان بمصر – ببيت مولانا الولى الكبير سيدى نجم الدين الكردى أو خلفائه ، فيقوم سيدنا الشيخ نجم الدين ، وسيدنا الشيخ عبد الله بن الصديق ، ومن حضر من علماء مصر وغيرهم ، وكان وما زال بيت سيدنا الكردى مجتمع العلماء من كافة المذاهب فيقومون عند ذكر مولده الشريف صلى الله عليه وسلم بلا نكير من أحد .
وهذه الرسالة لطيفة فى بابها ، اعتنى مؤلفها – ولم يؤلف غيرها فى مسائل العلم([1]) – ببيان حكمها . وعندما وقفت عليها سنة (2000 م) قبيل وفاة مولانا شيخ الإسلام ضياء الدين الكردى ذهبت إليه قدس الله سره بنسخة منها ، فسر بها ، وذكر أن هناك بعض أقوال للعلماء متناثرة فى المسألة ، ولكن هذه أول مرة يطلع على رسالة مفردة فيها .
ويعجبنى تقدير الله لهذا العالم الكبير الشيخ محمود العطار ألا يؤلف غيرها ، وقد كان كثير من العلماء المتأخرين على واسع علمهم وتحقيقهم لا يعتنون بالتصنيف ، ويرون أن المتقدمين قد كفونا ذلك ، ولكن يبدو أن عظيم تعلق العلامة الشيخ محمود العطار بالجناب المحمدى الشريف هو الذى دفعه إلى الخروج عن عادته ، فيؤلف لنا هذه الرسالة اللطيفة الفريدة فى بابها .
ونعرض هنا لأهم ما ورد فيها مختصرا :
1- يؤكد المؤلف العلامة الشيخ محمود العطار فى مقدمته رسالته أن المقام يحتاج أولا لبيان حكم القيام لأهل الشرف إكراما وتعظيما لهم ، ومنه يعلم استحباب القيام عند ذكر موله الشريف صلى الله عليه وسلم بالأولى ، إذ الفرض أنه إنما يفعل إكراما وتعظيما ومحبة لأشرف الرسل صلى الله عليه وسلم .
2- نقل المؤلف عن الإمام النووى قال ك يستحب القيام للقادم من أهل الفضل وقد جاءت به أحاديث ، ولم يصح فى النهى عنه شىء صريح .
3- فإذا ثبت أن القيام مطلوب للتعظيم والإكرام لأهل الشرف ، فكيف يمنع منه عند ذكر مولده صلى الله عليه وسلم تعظيما له ، بل إنه أولى وأحق من القيام لأحد من أمته ، وقد نص غير واحد من فقهاء الأئمة الأربعة ومن المحدثين وأهل السير على استحبابه .
4- فالذى ينبغى أن يعول عليه ولا يلتفت لغيره استحبابه وتأكده لعموم المسلمين ، ولا يغتر بقول ابن حجر الهيتمى فى فتواه من ((أن الناس إنما يفعلونه تعظيما ، فالعوام معذورون بخلاف الخواص)) . فهذا هفوة منه ، بل الخواص أحق بتعظيمه صلى الله عليه وسلم ، وقد فعله العالم الشهير تقى الدين السبكى وغيره ممن لا يحصى ، واستمر عليه العمل إلى يومنا هذا ويستمر إن شاء الله إلى يوم القيامة ، ولا ينكره ويحرمه إلا مبتدع غال .
5- فإن تخيل له أنه بدعة مذمومة فنقول : نعم هو بدعة ولكنها حسنة ، وليست كل بدعة مذمومة ، بل البدعة تعتريها الأحكام الخمسة كما هو معلوم ، فكم من بدعة هى فرضص أو واجب كتدوين العلوم الدينية ، ورد الشبه على الفرق الضلالية .
6- فماذا يقول هذا المانع فى قيام بعضنا لبعض ، وفى القيام عند ذكر مولده الشريف ، هل فيه تعظيم أم لا ؟ فإن منع التعظيم فهو مكابر معاند للحس والمشاهدة ، فلا يليق أن يخاطب .
7- وإن سلم أنه يفيد التعظيم ، وعد تعظيمه صلى الله عليه وسلم حماقة فيكون تنقيصا وإهانة لجنابه الشريف صلى الله عليه وسلم ، ومن أهانه يحكم بكفره وردته وهدر دمه .
8- والعرف أحد مدارات الشرع الشريف تبنى عليه الأحكام ، وكم من مسألة لا نص فيها ، وقد تعارف الناس عليها ، وحكم الفقهاء بها وتداولوها فى كتبهم ، فكيف يقول المانع : إن فاعل القيام بلا شك حرى باللوم والحرمة والفسق .
9- فقول المانع افتراء وتهور عظيم لا يصدر مثله من مسلم فضلا عن عالم ، فالمسلم الموحد إذا قام عند ذكر مولده الشريف لا يريد إلا التعظيم والاحترام لمنصب الرسالة .
10- والمقصود التعظيم بكل ما يفيده ، ومنه القيام كما هو العرف العام .
11- ونظير هذا القيام تعظيما له صلى الله عليه وسلم الأمر بغض الصوت بحضرته صلى الله عليه وسلم فى حياته ، وعند قراءة حديثه وسيرته بعد وفاته ، وكذا مناداته باسم يشعر بتعظيمه . إلى غير ذلك من نظائر .
12- فانظر بعين الإنصاف إلى مجموع هذه النظائر المنصوص عليها ، المقصود منها تعظيمه صلى الله عليه وسلم ، أليس هذا القيام مثلها فى التعظيم فيكون مأمورا به ، ليس بدعة منكرة ، على أن نجعله فردا من أفراد التعظيم الذى كلفنا به عموما ، فحينئذ يدخل تحت الأمر ، فيكون من باب دلالة النص ، لا من باب القياس ، كما حرره علماء الأصول .
13- فهنا لما كان القيام خصوصا فى زمننا هذا من جملة التعظيم للنبى صلى الله عليه وسلم دخل فى النص الدال على تعظيمه ، وهو كثير فى القرآن والسنة ، فمنه قوله تعالى {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} ، فقد فرض الله تعالى علينا تعظيمه ، وجعله مثل الإيمان به .
14- فحينئذ لا يكون هذا القيام بدعة ، بل منصوصا عليه بدلال النص ، فمن يدعى إنكاره وتحريمه فهو مبتدع ضال ، وعند قصد الإهانة والتنقيص لمنصبه الشريف صلى الله عليه وسلم يكون كفرا وردة .
15- ومن أراد بسط الكلام على وجوب تعظيمه وفرضيته على كل مكلف مبرهنا عليه بالأدلة القاطعة فليرجع لكتب السير كالشفا للقاضى عياض ، والمواهب اللدنية للإمام القسطلانى وزاد المعاد لابن القيم ، وغيرها فيجد فيها ما يشفى الغليل.
16- وربما كان فى ترك القيام إثارة فتنة عند عموم الناس ونسبة من لا يقوم عند قيام الناس تعظيما له صلى الله عليه وسلم إلى مذهب الوهابية (هذا كلام الشيخ بلفظه) الذين تجاوزوا الحد فى الغلو بتكفير أهل التوحيد حيث يقولون بالتوسل بالأنبياء والأولياء وزيارتهم والتبرك بهم .
17- واستحباب القيام عند ذكر مولده صلى الله عليه وسلم أولى لأهل العلم فهم أحق بالقيام إذا قام الناس ليعلموهم أن تعظيمه صلى الله عليه وسلم مطلوب ومؤكد ظاهرا وباطنا .
18- ولا يقال إن التعظيم إنما هو بالقلب وحسب وباتباع سنته صلى الله عليه وسلم لا بهذا القيام المبتدع ، لأن القيام عنوان على التعظيم بالقلب دال عليه ، ومعاملة الشرع الشريف ظاهرية ، حتى حكم على من أقر بلسانه بالشهادتين بالإسلام مع عدم اطلاعنا على قلبه ، ومن أين يعلم ما فى القلب إذا لم يدل الظاهر عليه .
19- فتلخص من هذا أنه يندب القيام ويتأكد ويستحب عند ذكر ولادته الشريفة تعظيما له صلى الله عليه وسلم ، وإكراما وفرحا بإيجاده صلى الله عليه وسلم ، الذى هو أجل نعمة على العالم ، وقد استحسن المسلمون ذلك ورأوه حسنا ، وقد ورد مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) إلى غير ذلك من الأحاديث .
وسوف أقوم بإذن الله فيما يلى برفع صورة من الرسالة كاملة .
([1]) له فى التاريخ : رسالة فى ترجمة شيخه بدر الدين الحسينى .

السبت، أكتوبر 20، 2007

ما مدى تأثير الشبكة الألكترونية على نهضة الحركة الفكرية والعلمية للأمة

بسم الله الرحمن الرحيم
أطرح هذه الأسئلة على الأخوة القراء وأحب أن يتداولوا الإجابة عليها :
- ما هو أثر الشبكة الألكترونية على الحركة الفكرية والعلمية للأمة الإسلامية ؟
- وهل أثرت بالسلب أم بالإيجاب ؟
- وهل يمكن تلافى الآثار السلبية للشبكة ؟
- وهل ساعدت على زيادة الفرقة بين الأمة الإسلامية ، أم ساعدت على الحوار ؟
- وهل أفادت العلم المتخصص ، أم أفادت الثقافة العامة فحسب ؟
- وما أثر كثرة المعلومات وتنوعها ، بل وتضادها واختلافها وتناقضها فى كثير من الأحيان على الفهم الصحيح للأمور ؟
- وما أثر سرعة التداول والنشر على إتاحة الفرصة للعقل البشرى للهضم والنضج والتدبر والتأمل فى المعلومات ؟
- هل يمكن أن تخرج القراءة عبر الشبكة أصحاب علم ، أم أصحاب معلومات فحسب ؟
- وهل تساعد القراءة عبر الشبكة على تكوين القارئ منهجيا ؟
- وهل ترفع الحيرة عنه فيما يواجهه من مشكلات يبحث عن إجاباتها عبر الشبكة أم تزيد من حيرته ؟
- وهل ستتحول الثقافة والعلوم الإسلامية إلى ثقافة التيكى أوى ، وثقافة السندويتش ، كما حصل فى الثقافة الغربية ؟
- وما مدى تأثير ذلك على الفقه والعقيدة والحضارة الإسلامية ؟
علينا السؤال وعليكم الإجابة ، شارك بإجابتك من خلال الرابط التالى :

الخميس، يونيو 14، 2007

زيارة النبى صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات

زيارة النبى صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات ، وقد اشتهر عن الشيخ ابن تيمية إنكارها ، حتى تبعه جهلة عصرنا هذا فيذهبون إلى الحج والعمرة ولا يكلف أحدهم خاطره بنزول المدينة وزيارة النبى صلى الله عليه وسلم ، ويتدينون الله بذلك ، والله هو يحاسبهم ، وقد قام العلماء قديما وحديثا بالإنكار على هذه القولة المستشنعة من ابن تيمية ومن قلده ، وعلى رأسهم شيخ الإسلام تقى الدين السبكى فى كتابه القيم : شفاء السقام بزيارة خير الأنام ، طبع مرارا ، وقد بين فيه مذهب الفقهاء فى الزيارة الأئمة الأربعة وغيرهم ، وقد جعله على عشرة أبواب ، ذكر فى الأول الأحاديث الواردة فى الزيارة ، وفى الثانى الأحاديث الدالة على ذلك وإن لم يكن فيها لفظ الزيارة ، والثالث فيما ورد فى السفر إليها ، والرابع فى نصوص العلماء على استحبابها وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين ، والخامس فى تقرير كونها قربة ، والسادس فى كون السفر إليها قربة ، والسابع فى دفع شبه الخصم وتتبع كلماته ، والثامن فى التوسل والاستغاثة ، والتاسع فى حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والعاشر والأخير فى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ، قال شيخ الإسلام السبكى : ((وضمنت هذا الكتاب الرد على من زعم أن أحاديث الزيارة كلها موضوعة وأن السفر إليها بدعة غير مشروعة ، وهذه المقالة أظهر فسادا من أن يرد العلماء عليها ، ولكنى جعلت هذا الكتاب مستقلا فى الزيارة ، وما يتعلق بها مشتملا من ذلك على جملة يعز على طالبها ، وكنت سميت هذا الكتاب (شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة) ، ثم اخترت التسمية المتقدمة (يعنى شفاء السقام فى زيارة خير الأنام) واستعنت بالله وتوكلت عليه ...)) والله أعلم ، فاللهم اشف سقامنا بحبك وحب نبيك ، وارزقنا زيارته وزيارة بيتك زيارة متتابعة لا تنقطع حتى نلقاك على الكتاب والسنة .

الاثنين، يونيو 11، 2007

الأحاديث فى مجالس الذكر صحيحة بل متواترة

عن النبى صلى الله عليه وسلم : ((الأنبياء كلهم يدخلون الجنة قبل سليمان بن داود بأربعين عامًا وإن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عامًا وإن صالح العبيد يدخلون الجنة قبل الآخرين بأربعين عامًا وإن أهل المدن يدخلون الجنة قبل أهل الرُّسْتَاق بأربعين عامًا لفضل المدائن والجماعات والجمعات وحِلَق الذكر وإن كان بلاء خصوا به دونه)) .
أخرجه الطبرانى (20 / 77 ، رقم 142) . قال الهيثمى (8 / 105) : ((فيه على بن سعيد الرازى ، وهو لين ، وبقية رجاله ثقات ، وفى بعضهم خلاف .
والحديث مخرج فى جامع الأحاديث برقم (10586) .
وقد ذكرنا هناك أن الحلقات والمجالس التى يذكر فيها اسم الله تعالى ، بأى صورة من صور الذكر ، سواء كان ذكرا صريحا محضا خالصا كما يفعله القوم فى مجالسهم ، أو بما يشمل ذكر الله كمجالس العلم ، وتخصيص الحديث بالصورة الأخيرة وقصره عليها كما يقوله المنكرون من التخصيص بلا مخصص وهو باطل ، بل فيه استنباط معنى يكر على النص بالبطلان ، وهو باطل أيضا ، كما هو مقرر فى علم أصول الفقه ، فإن منطوق النص الصريح دال على فضل مجالس الذكر المحض ، والأحاديث واردة فيها أصالة ، وإدخال غيره فيها كمجالس العلم من باب التعميم ، أو القياس ، وإبطال المعنى الذى وردت فيه النصوص أصالة من أعجب التصرفات ، والتجرؤ على القول بأن مجالس الذكر لا دليل عليها ، هو افتراء على الله ، وما ورد عن بعض السلف فى هذا إنما هو لتعميم المعنى على ما يشمل ذكر الله كمجالس العلم ، وليس لقصره ولا لتخصيصه على هذه الصورة أو تلك ، والأحاديث فى مجالس الذكر صحيحة بل متواترة ، وقد أفرد الإمامان الجليلان السيوطى واللكنوى هذا الموضوع بالتصنيف ، وجمعا أدلته إسكاتا للمنكرين فى رسالتيهما : نتيجة الفكر فى الجهر بالذكر ، وسباحة الفكر فى الجهر بالذكر ، فانظرهما فإنهما نفيستان ، نعم يقع فى بعض مجالس الذكر تجاوزات ، وخروج عن بعض الآداب ، وربما يقع شىء من البدع ، نسأل الله أن يبصر القائمين عليها بذلك حتى يكتمل لها الفضل بالالتزام التام بالكتاب والسنة أصلا وفرعا وأدبا ، والله أعلم .

الأربعاء، يونيو 06، 2007

التصوف الحقيقى - الإمام السيوطى نموذجا

التصوف الحقيقى المبنى على الكتاب والسنة هو ذلك المشرب القلبى والروحى الجميل الذى ينبغى للمسلم أن يأخذ بحظه منه ، وليس للصوفية الحقيقيين شغل سوى القيام بحقه سبحانه ، والرجوع إليه من كل زلة ، وأول طريق التصوف الصدق مع الله تعالى ، وبناؤه على فراغ القلب من سوى الله تعالى
وإذا كان التصوف بهذه المثابة فما كل هذا الجدل الذى دار حوله بين المتخصصين وغير المتخصصين ؟ بين المصلحين ومدعى الإصلاح ؟
وقد تناولنا هذه القضية بشىء من التفصيل فى مقدمة جامع الأحاديث ، كما يمكن الاطلاع عليها من خلال صفحات العنوان ذاته : (http://esamanas.googlepages.com/التصوفالحقيقى-الإمامالسيوطىنموذجا-مقتطفم)

الأدب مع النبى صلى الله عليه وسلم - الإمام السيوطى وقضية نجاة والدى النبى نموذجا

تعتبر هذه القضية من أشهر القضايا التى أثارها الإمام السيوطى وجال فيها جولات ناجحة ، وأثرت على الجماعة العلمية بعد الإمام السيوطى ، كما أنها أحد القضايا التى عبرت بشكل قوى عن مدى تعلق الإمام السيوطى بجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والتى نضج فيها منهج السيوطى العلمى ، واكتملت فيها شخصيته العلمية بكل أبعادها الأصولية والحديثية والفقهية ، وقد ألف فى ذلك عدة رسائل .
وهذه القضية تعبر عن أدب العلماء الذين نقل عنه السيوطى ووافقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحريهم رضاه وعدم إذايته ، وقارن ذلك بصنيع المتهورين من متمسلفى اليوم من الجزم بعدم نجاتهما والتصريح بذلك فى المؤلفات والرسائل وعلى ظهور المنابر ، ويتدينون الله بإعلان ذلك والجهر به ؟!
وهذا الأدب هو ما أكدته الأحاديث والآثار المروية فى الباب .
ومما ورد فى الباب قوله صلى الله عليه وسلم (( أيها الناس أى أهل الأرض تعلمون أكرم على الله قالوا أنت قال فإن العباس منى وأنا منه لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا)) ، والحديث مخرج فى جامع الأحاديث برقم (10406) من طريق أخرجه أحمد (1 / 300 ، رقم 2734) ، والنسائى (8 / 33 ، رقم 4775) ، وابن سعد (4 / 24) ، والطبرانى (12 / 36 ، رقم 12395) ، والخطيب (4 / 101) । وأخرجه أيضا : الحاكم (3 / 371 ، رقم 5421) بنحوه ، وقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبى . وفيه : ((أن رجلا من الأنصار وقع فى أبٍ للعباس كان فى الجاهلية فلطمه العباس فجاء قومه فقالوا والله لنلطمنه كما لطمه فلبسوا السلاح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ...)) .
قلنا : الحديث يدلنا على ما زال العلماء يوصون به من التأدب مع النبى صلى الله عليه ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بهذا الأدب فى حق غيره فكيف يكون الأمر فى حق آبائه صلى الله وسلم عليه ، فسيأتى حديث ((يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذى الحى ولا يبلغ الميت)) ، وأن من أذيته الوقوع فى آبائه حتى من مات منهم فى عهد الجاهلية ، وهو ما أغرم به كثير من المتمسلفين قديما وحديثا ، وقلبوا الأمور فجعلوا الوقوع فيهم وذكرهم بما يسوء رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا يتدينون الله به ، أفلا يخشون قوله تعالى {إن الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} [ التوبة 61] ، وكان للإمام السيوطى رحمه الله عناية كبيرة بدفع غلواء هؤلاء وسوء أدبهم ، وقد أشرنا إلى جهوده فى المقدمة ، فاللهم ارزقنا الأدب . والله أعلم .
وقد تناولنا هذا الموضوع بشىء من التفصيل فى مقدمة جامع الأحاديث ، كما يمكن الاطلاع عليه من خلال موقعنا الشخصى : (http://esamanas.googlepages.com/الإمامالسيوطىوقضيةنجاةوالدىالنبىصلىاللهع)

الثلاثاء، مايو 29، 2007

نحو نظرية إسلامية للجمال - حكم صناعة التماثيل نموذجا


فى مقال سابق لنا نشرته مجلة المسلم المعاصر تحت عنوان رؤية للموسيقى من منطلق حضارى إسلامى تطرق الكلام إلى مفهوم الجمال فى الإسلام ، وقد أثارت فتوى تحريم التماثيل التى أصدرها شيخنا فضيلة مفتى الديار المصرية ردود فعل مختلفة اتسمت فى مجملها بعدم الموضوعية ، وقد كان لنا تعليق على الموضوع سبق لنا نشره فى جامع الأحاديث (ح 8703) ، نحب أن ننشره مفردا هنا لما نرجو أن يمثله من إضافة إلى هذه القضية
فالإسلام إنما يسعى فى منع التماثيل وغيرها من القوالب الفنية ليس فقط لمنع التشبه بعبدة الأصنام ، وإنما سعيا لأن تظل الحضارة الإسلامية متميزة حتى فى فنونها
فلا يعنى منعُ ذلك تحريمَ الفن على الإطلاق ، بل تحريم بعض القوالب الفنية ، سعيا لوضع نظرية شديدة الخصوصية والتميز فى الجمال والفن تنبع من أسس الإسلام وقيمه
وليست نظرية الجمال فى الإسلام ملزمة بأى نِتاج أفرزته أسس الحضارات الأخرى وقيمها - والتى تختلف فيما بينها - إلا فى ضوء ما يقبله الإسلام
والإسلام يدعو إلى الجمال وإلى تذوقه والتعبير عنه بوسائله هو وليس بوسائل الآخرين ، التى لا يعنى رفضها رفض الجمال ولا رفض تذوقه ولا رفض التعبير عنه فإن ((الله جميل يحب الجمال)) كما ورد فى الحديث
بل ولا يعنى ذلك كون وسائل الآخر الفنية غيرَ جميلة بل الموسيقى الجميلة مثلا كالمرأة الجميلة يحرم الاستمتاع بها إلا فى إطار ما أباحه الله
وليس كل وسيلة تعبر عن الجمال تكون بالضرورة مباحة شرعا ، ولا يعنى تحريمها تحريم الجمال أو تحريم التعبير عنه مطلقا بأى وسائل أخرى يقبلها الشرع ، فليس كل جميل يباح الاستمتاع به ، وليس كل حرام قبيحا لا منفعة فيه ، وقد قال تعالى فى الخمر والميسر {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ، لكن قطعا كل مباح (ويدخل فيه الواجب والمستحب) جميل ولو لم يكن فيه من الجمال إلا أن الشارع أباحه لكفاه جمالا عند من يحب الله ورسوله ، ولو لم يكن فى الممنوع قبح إلا كون الشارع منعه لكفاه ذلك لأن تنصرف النفوس المؤمنة عما فيه من الجمال الطبيعى لما فيه من التقبيح الشرعى
فالتقبيح والتحسين شرعيان لا عقليان ولا طبيعيان ، فالمعيار المطلق هو الشرع ، لا العقل المطلق ، ولا الجمال المطلق ، ولهذا فالاستمتاع بالجمال لا بد أن يكون من خلال الشريعة الإسلامية التى وضعت من الوسائل والضوابط ما يكفل الرقى بالانفعالات النفسية والمشاعر وتربية الوجدان وتنمية شخصية الفرد بصورة متكاملة
ولا يقتضى هذا تسلط أذواق علماء الشريعة على ذوق المعبر عن الجمال ، بل فقط يقتضى أن تفيض روح المعبر عن الجمال بالإيمان وإسلام الوجه لله وتذوق الجمال من خلال روح مؤمنة ولهذا ستجد الإبداع الحقيقى والرفيع عند الصوفية المسلمين الحقيقيين – لا المدعين – الذين تذوقوا الجمال الإلهى وعبروا عنه أصدق تعبير وأرقه وأعمقه
وتأكيدا لما سبق فلا يعنى رفض بعض وسائل التعبير عن الجمال كون الرافض متخلفا حضاريا أو عقليا كما يريد مدعو الثقافة الحديثة فى هذا العصر تصويره للناس وممارسة الإرهاب الفكرى على علماء المسلمين بأن كل من يرفض الموسيقى مثلا هو جافّ الطبع غليظه ، وإرهاب الناس وحملهم قسرا على الإيمان بحضارة واحدة وطمس هويات الحضارات الأخرى
ومن هنا أتت الفنون الإسلامية المتميزة من الخط والمنمنمات والعمارة والزخارف والتذهيب والسماع الصوفى ، والمدارس المتميزة للأداء القرآنى التى ما كانت لتتميز لولا أن الأداء القرآنى كان هو الفن الأساسى عند المسلمين ، ومع غلبة حضارة الآخر شاعت فنونه وتراجعت الفنون التى أبدعها المسلمون بتراجع حضارتهم
ومن هنا تصلح الفنون أن تكون مقياسا لمدى التبعية الحضارية أو الاستقلال الفكرى
ومن جهة أخرى فإن الوسائل الفنية تعد من أكبر طرق الاتصال والسيطرة على الجماهير ، والتى تستغل الآن بشكل قاطع لصالح القوى التى تعمل لغير مصلحة الأمة الإسلامية ، ومن هنا ينزعج أذيال الآخر لمنعها خشية أن تستفيق هذه الأمة وتستعيد مجدها ، ولهذا لا بد من تناول قضية الفن من خلال هذا الإطار الحضارى الكلى